نشر المحبة والتسامح وقبول الاختلاف

أزمة الإنسان العربي في ذكرى رحيل الزعيم عبدالناصر

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ٠٤ أكتوبر ٢٠١٧ – 01:25

http://akhbar-alkhaleej.com/news/article/1091469

في الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 رحل الزعيم العربي جمال عبدالناصر بعد ان اعطى العرب ثلاثة امور. الامر الأول انه جعل المواطن العربي يشعر بهويته العربية وانتمائه العربي الواسع ثانيا وحد الامة العربية على فكرة القومية العربية فتراجعت حيالها الطائفية والهويات الاخرى وثالثا حقق استقلال الدول العربية من المحتل المستعمر الاجنبي وبذلك تحقق تحرير الاوطان من المستعمر الذي سخر خيرات الامة لخدمة اغراضه سواء كان هذا المحتل بريطانيا أو فرنسيا أو تركيا. 

استطاع عبدالناصر ان يوحد العرب على فكرة القومية العربية فاختفت أو تلاشت النزعة الطائفية التي غذتها قيادات سياسية ودينية على مدى قرون وتنامت بشكل فظ منذ حكم الدولة الصفوية والصراع التركي – الصفوي، كما وحد العرب على مواجهة إسرائيل ورفض هذا الكيان الغاصب ورفض اي تعامل معه أو التطبيع بأي شكل. للاسف بعد وفاته عادت الامة العربية إلى حضن الغرب واستغلال خيراتها بشكل أو باخر واصبحت الدول العربية تتسابق نحو التطبيع مع العدو الصهيوني وتبرير عنجهيته بالرغم من استمرار الاحتلال والعنصرية التي يمارسها على الشعب الفلسطيني. اما الصراع الطائفي الذي نشهده اليوم فقد مهدت له دول عربية بهدف ضرب فكرة القومية العربية والخشية من المد القومي الذي كان يجتاح الامة. واليوم اصبح هذا المارد الطائفي الذي اطلقناه في الستينات والسبعينات عملاقا يمزق الامة العربية ويقضي على دولها. 

اليوم نجد ان العالم العربي يبحث عن منقذ ليخلصه من الازمات التي تنهال عليه والصراعات التي مزقته وقضت على دول ومازالت تتفاعل وتتسع رقعة الخراب والدمار. والسؤال هل ما زلنا نبحث عن مخلص؟ وهل يمكن الاعتماد على الاقدار والظروف التي لعبت في بروز عبدالناصر ان تتجمع لتبعث بقائد اخر يعالج الازمات الحالية التي نعيشها؟

جميل ان نتذكر قادتنا وان نقر ونعترف بفضلهم على الامة. ولكن الامم الاخرى كذلك كانت لها قيادات برزت في فترات تاريخية وكان لها دور في توحيد الامة ومنحها هوية وشخصية وعملت على رفعتها وتقدمها. جميعهم رحلوا وخلفوا امما تؤمن بمقومات الحياة وبسبل التقدم الحديثة التي لا تنتظر افذاذا لكي ينقذوا الامة. الزمن قد لا يجود بقيادات فذة وان جاد قد لا تتوافر الظروف المناسبة للبروز أو قد لا يُسمح لها بالبروز في ظل النظام العربي الحالي. لذلك علينا ان ننتهي من عبادة الاشخاص إلى الثقة بقدراتنا كأمة لا تعتمد على افراد ولكن على مقوماتها كمجتمع.

الامم التي تقدمت اعتمدت في تقدمها على الانسان وعلى القيم وعلى المؤسسات. المجتمعات التي لا تعتبر الانسان قيمة في حد ذاته، ولا تقر بإنسانيته التي يجب أن تحترم فهي امة فاشلة من الاساس حتى وان قادها احد الافذاذ. احترام الانسان كقيمة لا يعني ان احترم من يتفق معي في الرأي أو يشترك معي في الدين والمذهب والعرق، أو ينتمي إلى عائلتي وعشيرتي. بل ان يكون الانسان انسانا قبل ان يكون مسلما أو عربيا أو خليجيا أو قريبا أو صديقا. لا يمكن ان ندعي تكريم الانسان ونحن نعتدي على حقوقه في التعبير والحياة، ونلتمس الاعذار للحكومات التي تمارس القمع بحجة امن الوطن أو اي عذر اخر. 

لا يمكن ان نحترم الانسان ونحن نعتقد ان عائلتي وطائفتي وديني احق من الاخر في المناصب وفي خيرات الوطن. بناء الاوطان يبدأ ببناء الانسان الذي يؤمن بالقيم المطلقة مثل العدالة والحق والانصاف واحترام حقوق الاخرين والمساواة بينهم وكذلك يطبقها ويلتزم بها في حياته. بناء الانسان القادر على وضع الاهداف ويعمل على تحقيقها لخدمة مصلحته ومصلحة بلده وامته.

العامل الثاني في بناء الامة والوطن هو بناء المؤسسات. بناء المؤسسات لا يقتصر على الهيئات والمنظمات والوزارات وانما يشمل ما هو أهم وهو القواعد والقيم والتقاليد التي تدار وفقها الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذه المؤسسات اما ان تكون تشاركية عادلة تتيح للانسان والمجتمع والمنظمات المشاركة وتقوم على الوضوح والشفافية والقيم العادلة واما ان تقوم على الاقصاء والاستحواذ وتفضيل فئة على اخرى أو تقديم الاقارب والمحاسيب على الاخر. الحالة الاولى (المؤسسات التشاركية العادلة) تخلق مواطنا يعرف حقوقه وواجباته وتخلق مجتمعا واحدا متجانسا يسوده الامن والاستقرار والتغيير السلمي والارتقاء. اما الحالة الثانية (المؤسسات الاستحواذية الاقصائية) فتخلق انسانا يسوده الحسد والبغضاء والصراع المؤدي إلى القلاقل والتنازع الاهلي. الحالة الاولى تؤدي إلى دولة قوية بمواطنيها وبمؤسساتها، اما الحالة الثانية فتؤدي إلى دولة تقوى على مواطنيها تعيش على الاخضاع والقمع ورفض الحريات. الاولى تنمي في الانسان الابداع والريادة والاقدام، والثانية تنمي فيه الخوف والخنوع والنفاق، الاولى تلتزم مبدأ الانتخاب والكفاءة في اختيار القيادات وفي التعيين والتوظيف، وعلى مبدأ المحاسبة والمساءلة والاستعداد للتغيير عند وجود التقصير، والثانية تلتزم المحسوبية والقرابة والعشائرية والحزبية.

ما لم يتمكن الزعيم عبدالناصر من بنائه هو هذا البناء المؤسسي وبناء هذا الانسان. قد تكون الظروف التي اتى فيها لم تكن تسمح بالانفتاح كما يرى كثيرون ولم تمهله الحروب والمؤامرات الاجنبية والعربية على توطيد واكمال مشروعه القومي وتحقيق اهدافه. ركز عبدالناصر على بناء الدولة وللاسف كانت دولة إلى حد كبير بوليسية انحرفت بعد رحيله، فلم تعد تحترم حقوق الانسان كما ينبغي وقد اساء استخدامها من جاء بعده. لم يتمكن عبدالناصر من تحرير الانسان من سطوة الدولة والمؤسسات.

اليوم تكريما لذكرى الزعيم عبدالناصر تحتاج الامة إلى معالجة نتائج الصراعات التي دارت بين الدولة والانسان والمجتمع، ونتائج استغلال الدين في السياسة لتبرير سلوكيات لا تمت للدين والعدالة بصلة. نحتاج إلى تكوين نواة تؤمن بالانسان وبالقيم الانسانية، وتحترم عقل الانسان وحريته الفكرية وحقه في الحياة والتعبير والمشاركة السياسية لحماية مصالحه وان تعمل على قاعدة وطنية وضمن الاطر الإقليمية الموجودة في العالم العربي والخليجي وضمن الانظمة السائدة وترتكز على قيم ومبادئ الدين الإسلامي التي تعلي من قيمة الانسان وتحترم عقله وانسانيته وتخلو من التعنت والتعصب والتبعية للنظم السياسية. ان تعمل هذه النواة على احداث تغيير في طريقة ادارة الدولة لتكون ادارة تشاركية تهتم بالتنمية وبالانسان والقيم وإصلاح المؤسسات لتكون في خدمة هذا الانسان وبذلك تقوى الدولة بالانسان وبالمجتمع وبمنظماته المدنية. فمن هنا نبدأ؟ 

mkuwaiti@batelco.com.bh  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *