نشر المحبة والتسامح وقبول الاختلاف
  1. الحاجة إلى التأقلم مع الوضع الاقتصادي الجديد

تاريخ النشر :١٠ فبراير ٢٠١٦


بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

مقال الاسبوع – قمة الخليج لم تضع خطة لاخراج المنطقة من ازمة النفط، صندوق النقد الدولي يحث على التقشف، والدولة تكر كلام عمره ثلاثين سنة دون الاجابة عن سبب تعثر التنمية وتنويع مصادر الدخل، الضرائب احد الحلول لكن لها استحقاقات لايريد احد دفعها.

https://mkuwaiti.wordpress.com
http://www.akhbar-alkhaleej.com/13837/article/6369.html

مع انخفاض سعر النفط ودخول دول الخليج في خانة العجوزات المالية في موازناتها وارتفاع الدين العام إلى مستويات خطيرة في بعض الحالات، يزداد الحديث عن ضرورة مواجهة هذا التحدي بسياسات منها التقشف ورفع الدعم وتنويع مصادر الدخل ورفع الرسوم وفرض ضرائب. لكن هذه السياسات يتم التفكير فيها من دون اتخاذ قرار في الحلول الحقيقية، وما يتم اتخاذه من حلول مثل رفع الرسوم على الخدمات وإيقاف بعض الدعم عن السلع هي حلول جزئية لا تعالج المشكلة. الرسوم والدعم الحكومي لا يمثلان النسبة الأكبر من الموازنة مقارنة بقطاعات التعليم والصحة والدفاع والأمن وفوائد الدين العام. الحديث عن الرسوم يجري من دون تحليل معمق يصل إلى جذور المشكلة، ومن دون طرح جميع الخيارات والبدائل لإنقاذ دول المجلس من مستقبل غامض.


قبل انعقاد قمة مجلس التعاون ارتفعت توقعات المجتمع والسياسيين والدبلوماسيين بالتوصل إلى صيغ لسياسات توضح كيفية معالجة الأزمة الاقتصادية وإنقاذ الاقتصاد بشكل جماعي، لكن لم يصدر عنها خريطة طريق لكيفية معالجة الوضع الاقتصادي والتعامل مع العجوزات في الميزانيات وارتفاع الدين العام. وإذا أضيف إلى ذلك التحديات الأمنية والسياسية ندرك مدى الحاجة إلى النقاش والصراحة وطرح البدائل بحرية وبسعة صدر من دون خوف واتهام بالتخوين. البرلمانات الخليجية المنتخبة منها والمعينة فقدت ثقة المواطن في تمثيلها وطرح قضاياه والدفاع عن مصالحها، وأصبحت بعض هذه البرلمانات تعبر عن وجهة النظر الرسمية أكثر من تعبيرها عن المجتمع وتطلعاته. كما أن تصريحات المسؤولين والوزراء والسفراء لا تخلو من المجاملات ما يشعر المواطن بأن هناك الكثير يختبئ خلف مثل هذه التصريحات.


لا يمكن معالجة الوضع الاقتصادي بمثل هذا التحفظ في طرح الحلول وفي تشخيص المرض ووصف العلاج. ما يدور من حديث في الأوساط الرسمية ما هو إلا تكرار لما كان يحدث قبل 30 سنة سواء كان حول تنويع مصادر الدخل أو حول تحسين مخرجات التعليم أو حول تحسين مستوى المعيشة.


في البحرين مثلا لدينا شد وجذب بين غرفة التجارة والصناعة وبين وزارة التجارة والصناعة. الوزارات تقول إن غرفة التجارة لم تؤد دورها في تنمية الاقتصاد، وغرفة التجارة تلوم الوزارات على البيروقراطية وضياع الفرص الاستثمارية وحالات الفساد الذي يذهب بالعوائد من هذه الاستثمارات المحدودة.


يقول الوزير إن الوزارة تنفذ توجهات الدولة في «زيادة الإيرادات وتقليص المصاريف من خلال مراجعة الرسوم». السياسة نفسها تتبعها الوزارات الاخرى بغرض استعادة الكلفة. لو حسبنا هذه الرسوم نجد انه في حالة مضاعفتها لن تزيد على 20% من الميزانية. ونعرف ان رفع الدعم سوف يوفر ما يقارب 50% من ميزانية الدعم (التي هي في حدود 800 مليون دينار)، فنحن إذن نتحدث عن مليار يمكن ان يتوافر على مدى الأربع سنوات القادمة، في حين ان خدمة الدين العام تقترب من المليار ومائتي مليون خلال نفس الفترة. بمعنى آخر فإنّ الرسوم والدعم لن يعالج مشكلة العجز بل سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار والتعدي على مكتسبات المواطن. 


صندوق النقد الدولي يحث دول الخليج على التأقلم مع انخفاض الإيرادات ورفع كفاءة الانفاق الحكومي على المشاريع، أي بلغة مهذبة تقليل هدر الأموال ووقف القرارات الفوقية والعشوائية والارتجالية التي لا تعتمد رؤية استراتيجية أو أولويات المجتمع في اتخاذ قرار تخصيص التمويل للمشاريع وفي حسن إدارة التنمية. وما يعنيه ذلك من الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل. لكن الحديث عن تنويع مصادر الدخل وتحسين مخرجات التعليم وفتح فرص عمل بدأ منذ ثلاثة عقود من دون أن توجد خطط لذلك. 


تنشيط الاقتصاد المحلي من خلال السياحة والمعارض والإنشاءات والصناعة هو في الواقع تنشيط داخلي لا يساهم في إيرادات الحكومة إلا من خلال الضرائب التي تفرض على الدخل والأرباح وليس على المشتريات التي هي في الواقع ضريبة جمركية في دول لا تصنع ما تستهلكه من منتجات. هذا يعني انه لا مناص من خلق قاعدة اقتصادية إنتاجية على قدر كبير من التنافسية تمكن الشركات من دفع ضرائب وتخلق وظائف مجزية تؤدي إلى رفع مستوى المعيشة، حينها يمكن فرض ضرائب دخل من دون إغضاب المجتمع وبروز مشاكل سياسية تؤثر على الأمن. يتزامن مع ذلك رفع كفاءة الأجهزة الحكومية وتقليل التضخم الوظيفي فيها لتحرير العمالة من قفص الوظيفية الحكومية إلى رحابة القطاع العام وفرصه المجزية.


السؤال الذي نطرحه سبق أن طرحناه هو ما سبب تعثر تنويع مصادر الدخل وتطوير التعليم بالرغم من الحديث عنهما منذ ثلاثة عقود؟ وهل هناك علاقة بين الاستراتيجيات التي استخدمتها الأنظمة في تحقيق الاستقرار وتعثر تنويع مصادر الدخل؟ وما تأثير احتكار التجار للوكالات على تنويع مصادر الدخل من خلال التصنيع؟ وهل محدودية ابتكار رجال الأعمال هي نتاج هذا الكسب السهل من الأنشطة التجارية الاحتكارية؟ وهل يمكن الآن ان نطالبهم بتمويل مشاريع صناعية إنتاجية أو قيادة اقتصاد يقوم على التنافس وعلى المعرفة والإبداع والابتكار بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر ومجازفات؟


الدول الخليجية بدأت تتحدث عن فرض الضرائب ونرى ان هذا هو الحل الأفضل ولكن هذا يحتاج إلى إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي وتحقيق العدالة والشفافية والإفصاح عن المعلومات وإعادة صياغة قوانين التعامل مع المال العام والأراضي والجنسية أي ان فرض الضرائب سيكون له كلفة سياسية واجتماعية ينبغي التعامل معها بإيجابية.

mkuwaiti@batelco.com.bh 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *